مؤيد الدين الجندي

368

شرح فصوص الحكم

الدنيا بموجب ما قدّر وكتب عليهم ، طالبهم بذلك في الآخرة ، وعاقبهم ، وأخذهم بها ، وعذّبهم ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون الجاهلون علوّا كبيرا ، بل الله يحكم علينا بمقتضيات استعداداتنا وبموجب خصوص قابليّات صور معلوميّاتنا له أزلا ، فلم يحكم علينا إلَّا لما منه أو حكمنا أن يحكم علينا بذلك ، فما حكم علينا إلَّا بحكمنا ونحن صور نسب علمه وشئونه وأحواله الذاتية النفسية ، بل نحن حكمنا علينا بالحق وفيه ، فافهم . قال - رضي الله عنه - : « فإن قلت : فما فائدة قوله : * ( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) * « 1 » ؟ قلنا : « لو » حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلَّا ما هو الأمر عليه . ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه « 2 » في حكم العقل ، وأيّ الحكمين المعقولين وقع فذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته . ومعنى « لهديكم » أي لبيّن لكم . وما كلّ ممكن من العالم فتح الله عين « 3 » بصيرته ، فأدرك الأمر في نفسه على ما هو عليه ، فمنهم العالم والجاهل . فما شاء ، فما هداهم أجمعين ، ولا يشاء . وكذلك * ( إِنْ يَشَأْ ) * « 4 » فهل يشاء ؟ هذا ما لا يكون » . قال العبد : « لو » في « لو شاء لهدى » تعليل عدم الهداية لعدم المشيّة ، فإنّه حرف امتناع لامتناع ما يسند إليه ، فحيث أسند إلى المشيّة بيّن امتناع المشيّة ، وإنّما جاء لعدم الهداية وامتناعها لامتناع المشيّة ، يعني ما هداهم أجمعين ، لأنّه لم يشأ هدايتهم أجمعين ، لعلمه أنّهم لا يستعدّون لقبول الهداية جميعا ، بل البعض ، فشاء بموجب علمه هداية البعض المستعدّين لها ، فهداهم ، ولو شاء هداية الكلّ لهدى الكلّ ، ولكنّه لم يشأ ، لعدم تعلَّق العلم بهداية الكلّ ، لما « 5 » لم يكن في قابليتهم الاهتداء ، إذ المشيّة

--> « 1 » الأنعام ( 6 ) الآية 149 . « 2 » في بعض النسخ : في حكم حدّ العقل . وفي بعضها : في حكم دليل العقل . « 3 » في بعض النسخ : فتح اللَّه عين بصيرته لإدراك الأمر . « 4 » النساء ( 4 ) الآية 133 . « 5 » ما مصدرية . واحتمال « لما » ضعيف .